ورقة مهة تتناول العمل الخيري مقدمة للمؤتمر الثالث للعمل الخليجي الخيري:

يعتبر العمل الخيري في ذاته واحدا من أهم ثمار الإيمان، فضلا عن أن العمل الخيري يضمن للمسلم ما يوثق به العرى بين سبل النجاح في الدنيا والآخرة أيضا.

وإذا كان العمل الخيري قد لازم الإنسان منذ أن دب على الأرض وسعى وشقي واستغنى، فإن صوره وأهدافه وأشكاله ومقاصده وغاياته قد تطورت تطورا بارزا يواكب متطلبات المحتاجين، وعوز البائسين، وافتقار الضعفاء والمساكين.

ولئن كان العمل الخيري يمثل في ذاته صورة للتكافل الاجتماعي بين شرائح المجتمع، وعطاء إنسانيا يبذله القادرون عليه، فإن العمل الخيري قد صار في عالم اليوم رافدا من روافد التنمية البشرية، وطاقة خلاقة يبذلها الفضلاء والاكارم في إنكار للذات وحرص على أن يكون البذل خالصا لوجه الله واحتسابا لثوابه ، ورجاء لمثوبته ورضوانه ومن ثم أصبح العمل الخير ى في مجتمعنا المعاصر سمة حضارية بارزة للمجتمعات التي تحرص على التكافل الاجتماعي بين أفرادها وعلى دعم العطاء الإنساني للمحتاجين إليه.

إن تنظيم المؤتمر الثالث للعمل الخليجي الخيري يعتبر في حد ذاته، منعطفا حضاريا يعبر عن مضمون إنساني ورؤية موضوعية لمقتضيات العمل الخيري في عصر العولمة وما يثيره من تحديات لأمتنا الإسلامية، في التوفيق بين الضوابط الشرعية للعمل الخيري باعتباره انعكاسا للإيمان الراسخ في قلوب المؤمنين وبين متطلبات الواقع الميداني في ساحة العمل الخيري.

إن التطلع إلى آفاق رحبة من التعاون بين العناصر الفاعلة في مجالات العمل الخيري على مستوى الأمة بأسرها هو تعاون يستهدف تكريس الطاقات وتوكيد الرؤى وتوفير الإمكانات وتحقيق المقاصد الإنسانية النبيلة، والتغلب على المعوقات وإثراء التجارب الميدانية وتحصينها، وشد أزرها والتطلع بثقة واقتدار لاستشراف آفاق مترامية لدور العمل الخيري في مجتمع أمتنا الإسلامية المعاصرة .

حسب هذا البحث أن يجيب على بعض الأسئلة المشروعة التى تتعلق بالعمل الخيرى من حيث :

  • أولاً : تحديث مجالات العمل الخيري
  • ثانيـاً: وضع آليات العمل الخيرى في المجتمع.
  • ثالثـاً : الإعلام ودوره في إطلاق طاقات العمل الخيرى.
  • رابعـا: المرأة و العمل الخيرى - الواقع والمتطلبات.
  • خامساً: دور العمل الخيري في حشد طاقات التكافل الاجتماعي والعطاء الإنساني.

وقبل أن نشرع في الإجابة على هذه الأسئلة هناك إضاءة لابد منها وهى: العمل الخيري بين الماضي والحاضر

يجتاح عالمنا المعاصر تيارات فكرية هادرة، وتطورات مذهلة، وإنجازات علمية غير مسبوقة وصراعات أو حوارات حضارية متشابكة، ومجتمعنا العربي والإسلامي لا يستطيع أن ينأى عن كل هذه الأوضاع العالمية المؤثرة أو أن ينعزل بذاته عن التأثر والتأثير فى خضم هذه الرؤى الملتبسة والقائمة .. والعمل الخيري باعتباره نشاطا إنسانيا خالصا .. ويصدر عن إيمان الفرد بانتمائه لأسرة صغيرة لها متطلباتها الإنسانية التي تفرضها آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة بحيث، يكون العمل الخيري في ذاته صورة للإيمان، وترجمة عن مشاعر الإنسان المؤمن ومدى إحساسه بمسئوليته تجاه غيره من المسلمين خاصة المحتاجين ..

العمل الخيري بهذا المفهوم الإيماني يمثل تجسيدا للفهم الصحيح لروح الإيمان التى تعبر عنها آيات عديدة من آيات القرآن الكريم منها مثلا بسم الله الرحمن الرحيم )لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ) (النساء114) . ويؤكد القرآن الكريم في موضع آخر على اهمية العمل الخيرى إذ يرى أن من لا يقوم به في أى شكل من أشكاله بمثابة المكذب بالدين: يقول تعالى أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ((الماعون : 1-2) وإذا كان عمل الخير يقوم فى غالبه على المال وكان المال زينة الحياة الدنيا ، وعصب الحياة وقوام معيشة الخلق ، وبه يستمد الكثيرون مكانتهم فى المجتمع ويباح للمسلم أن يدعو ربه بأن يرزقه الغنى ويستعيذه من الفقر . إلا أن الإسلام مع هذا كله جعل إنفاقه فى الخير ، ومساعدة المحتاجين إليه ، وعدم البخل به ، وعدم اكتنازه ، جعل ذلك من الواجبات الإسلامية الحتمية على كل مسلم يعاقب المسلم بعذاب أليم إذا اقترف شيئا منها . يقول تعالى فى ( سورة التغابن آية 15 ): باسم الله الرحمن الرحيم ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم )..

وفى سورة (التوبة الآيتان 35،34 ) يقول تعالى : باسم الله الرحمن الرحيم ( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ) .. وفى سورة (آل عمران الآية 180 ) يقول ربى : ( ولا يحسبن الذين يبخلون بما أتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير ) ..

ونكتفى بهذا القدر من الآيات الكريمات التى تحض على إنفاق المال الذى هو زينة الحياة الدنيا فى وجوه الخير ومرضاة الله ..

وإذا التفتنا إلى الأحاديث النبوية الشريفة رأينا فيضا من الأحاديث والمواقف العملية للرسول الكريم r وصحابته الأخيار يجسدون معنى العمل الخيرى وأهميته في تجسيد الإيمان الصحيح للمسلم.

يقول نبينا الكريم r في حديثه الصحيح : "أحب الناس إلى الله انفعهم للناس " (رواه مسلم) .

ويقول نبينا الكريم أيضا ( صحيح البخارى كتاب الزكاة 1442 وصحيح مسلم كتاب الزكاة باب فى المنفق 1010 ) : ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ، ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا .. وفى ( صحيح البخارى – كتاب النفقات 5/2047، فتح البارى 9/ 2047 ط2 1409هـ -1988 ) ما رواه عن أبى هريرة رضى الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قال الله أنفق يا بن آدم أنفق عليك .. والخطاب هنا موجه إلى كل بنى آدم وفيه إطلاق للإنفاق فى كل وجوه الخير .

ويقول الرسول الكريم r في موضع آخر : "لأن يمشى أحدكم مع أخيه لقضاء حاجته أفضل من أن يعتكف في مسجدى هذا سبعين يوماً" ويقول أيضا "ابغونى في ضعفائكم" .

وهناك نقطة يجب الإشارة إليها فى مجال دعوة الإسلام إلى الإنفاق فى وجوه الخير وحثه عليه ، فالإنفاق فى الإسلام له ضوابط تتحقق بها مصلحة الفرد والمجتمع .. هذه الضوابط هى الاعتدال والتوسط بين الإسراف والتقتير .. يقول تعالى فى سورة الفرقان آية 67 : ( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ) ..

قال الرازى ( الأعلام 7/203 ) الإسراف مجاوزة الحد فى التنعم والتوسع فى الدنيا وإن كان من حلال ( التفسير الكبير 24/109 ) .

والرسول الكريم (كما روى البخارى فى صحيحه 5/2181 كتاب اللباس ) يقول: ( كلوا واشربوا وألبسوا وتصدقوا فى غير إسراف ولا مخيلة ) .. ويستفاد من هذا الحديث أهمية ضبط الإنفاق حتى فى عمل الخير .. فالتصدق كما فى الحديث يكون فى ( غير إسراف ) أو ( بخل وتقتير) بل فى اعتدال وتوسط .. يؤكد هذا قول الحق سبحانه وتعالى فى ( سورة الأنعام آية 141 ) : " وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين " .. فالإسراف منهى عنه حتى حين يخرج المسلم حق الفقراء يوم الحصاد ..

ولعل من المهم فى هذا المقام أنه فى الوقت الذى يخاطب فيه الإسلام أتباعه بالبذل والسخاء ، يحذرهم بل ويكاد ينهاهم نهى تحريم عن قبول الصدقات وطلبها .. وهذا هو منطلق الإسلام فى بناء مجتمعه .. يقول الرسول الكريم كما روى البخارى فى صحيحه 2/524 كتاب الزكاة ومسلم فى صحيحه 2/699 كتاب الزكاة : ( على كل مسلم صدقة قيل أرأيت إن لم يجد ؟ قال يعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق ، قيل أرأيت إن لم يستطع ؟ قال يأمر بالمعروف أو الخير .. قيل أرأيت إن لم يفعل ؟ قال يمسك عن الشر فإنه صدقة ) .

ومن الحقائق اللافتة للنظر أنه مع كثرة الآيات الكريمات والأحاديث التى جاءت بالدعوة إلى الصدق لم تأت فيها عبارة واحدة تقول للإنسان أطلب الصدقة أو خذها ( كتاب الصدقة فى الأسلام للدكتور مهدى علام ص 211 ) .

وليس من العسير أن نفهم موقع العمل الخيري المتميز بين الطاعات التي يحض عليها الإسلام ، ذلك أن العمل الخيري يكتسب هذه الميزة من الثواب على سائر الطاعات الأخرى لأنه يتسم بسمات عديدة منها : - أنه خالص لوجه الله وابتغاء مرضاته لا ينتظر عائدا من البشر ولاجزاء ولا شكورا .

  • أنه صادر عن نفس سخية وروح أبية لا يحركها إلى العمل إلا حب الخير وحب الضعفاء والمساكين والمحتاجين.
  • أنه عمل مجرد من هوى النفس وحب الذات والطمع في عاجل الأجر والثواب "بعيدا عن شهوة الشهرة والسمعة" من أجل ذلك يشق علينا أن نجد في القرآن الكريم آية يذكر فيها الإيمان بالله إلا اقترنت بالعمل الصالح الذي يعتبر العمل الخيري جزءا منه.
  • والحق أن الأديان كلها ورسالات السماء جميعها تؤكد على أهمية العمل الخيرى في تحقيق الأخوة الإنسانية ودعم مشاعر التعاطف والتعاون والتراحم بين بنى البشر.
  • ولذلك أخذ العمل الخيرى صورا متعددة وأشكالا متباينة على مدى العصور .. فقد اتسم العمل الخيرى على مدى قرون عديدة بسمات نوجزها في الآتى:

أولاً : أنه - أى العمل الخيرى- مجالاته محدودة، ونشاطاته محصورة في دائرة ضيقة من المساعدات للمحتاجين واطعام الفقراء وتقديم بعض الاعانات المالية التى يقدمها الموسرون من زكواتهم للفقراء في المناسبات الدينية المعروفة.

ثانياً: أن العمل الخيرى أتخذ طابعا فرديا بحيث يقوم على مبادرات إنسانية فردية وليس عملا جماعيا يخضع للتخطيط والتنظيم .

ثالثا: أن العمل الخيرى ظل إلى عهد قريب يقوم على علاقة مباشرة بين المعطى والمعطى إليه .. من خلال نظرة محدودة للغاية .. وفي نطاق ضيق لا يتجاوز مجالات الاطعام والكسوة والعون المادى المحدود .

رابعاً: ظل العمل الخيري بعيدا عن مفهوم تنمية المجتمع أو المشاركة الإيجابية في دائرة التنمية البشرية أو التعاون مع الحكومات بقسط من أعباء التنمية الاجتماعية المتكاملة.

خامساً : أن القائمين على العمل الخيري في فترات تكاد تكون قريبة بل تكاد تكون ممتدة حتى الآن – لا يتوافر لديهم الحس المجتمعي أو الإحساس الوظيفي بأهمية العمل الخيري باعتباره رافدا من روافد التنمية البشرية للمجتمع.

إلا أن طبيعة التطور الاجتماعي استحوذت على مجالات العمل الخيري وظهرت الجمعيات الخيرية أو جمعيات المجتمع المدني أو الجمعيات الأهلية وكلها مسميات للجمعيات القائمة بالعمل الخيري .. وبدا للعيان أن العمل الخيري هو أحد أعمدة بناء المجتمع المعاصرة وعنصرا هاما من عناصر تطويره ونهضته وتقدمه..

واتسع مفهوم العمل الخيري ليشمل كل عمل يسهم في خدمة المجتمع بأي صورة من الصور .. وتطورت أساليب العمل الخيري فلم يعد محصورا في دائرة الأفراد ومساهماتهم الشخصية للمحتاجين من الأقارب والأرحام والجيران وحدهم، بل أمتد العطاء الإنساني إلى آخرين قد يكونون بعيدين عن دائرة الضوء التي يراها هؤلاء الكرماء الأسخياء.

لم يعد العمل الخيري إذن مجرد جهود فردية مبعثرة هنا وهناك، بل صار نشاطا اجتماعيا واعيا يستهدف رعاية (فئة) من فئات المجتمع لها احتياجاتها المتعددة التي لا تستطيع إمكاناتها الذاتية أن تفي بها.

اتسعت دائرة العمل الخيري لتتجاوز نطاق المجتمعات المحلية إلى الدائرة الإقليمية التي ما لبثت أن اتسعت بدورها لتصبح دائرة العمل الخيري ممتدة إلى النطاق العالمي..

  • أصبحنا أمام دائرة عالمية للعمل الخيري الذي تنظمه وتخطط له وتنهض بمسئولياته بعض المنظمات المتخصصة في الأمم المتحدة .. مثل منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) التى تتصدى لمشكلة نقص الموارد الغذائية في إفريقيا. وفي الدورة 32 للجنة التنمية الاجتماعية المنعقدة في فبراير 1990 بفيينا توصى اللجنة بأن يقوم المجلس الاقتصادي والاجتماعي باعتماد مبادئ الأمم المتحدة لرعاية (كبار السن) .

وتوصى ذات اللجنة بعقد مؤتمر دولي بشأن الشيخوخة .. وجدير بالذكر هنا أن خطط الأمم المتحدة للعمل الدولي في مجال الشيخوخة بدأت عام 1982. ونستطيع أن نذكر هنا أن الجمعية العامة للأمم المتحدة حددت يوم الأول من أكتوبر اليوم الدولي للمسنين في العالم كله.

ومما يجب الإشادة به هنا أن ثمانية عشر مبدءا، تم إقرارها من الجمعية العامة للأمم المتحدة لرعاية كبار السن، تكفل في جملتها فرصا متساوية لكبار السن في الحصول على ضرورات الحياة في بيئة متحررة من التمييز، وإساءة المعاملة والتشجيع على إندماج كبار السن في المجتمع أندماجا يحقق لهم ذواتهم .. بغرض إضافة حياة إلى السنوات التى أضيفت على الحياة تشتمل على المجالات الموضوعية وهى الاستقلالية والمشاركة الواعية والانجاز الذاتى والكرامة. لا يمكن أن ننسى هنا ما تقوم به منظمات دولية أخرى من صور رائعة للعمل الخيرى مثل منظمة اليونيسيف التى ترعى الطفولة وتستهدف ضمن رسالتها الإنسانية وضع حد لتزايد وفيات الأطفال هناك الوكالة الدولية التى تبادر للمناطق المنكوبة تسبب الزلازل أو الفيضانات، وهناك وكالة غوث للاجئين وجهودها في حماية اللاجئين من ويلات التشرد وقوة الظروف وصعوبة الحياة، جهود تمثل العمل الخيرى في صورته الإنسانية الرائعة على المستوى العالي.

أولاً : تحديث مجالات العمل الخيري لمواجهة العصر ومتطلباته : السؤال الذي يطرح نفسه هنا كيف يتم تحديث العمل الخيري ليواكب التطورات والمستحدثات التي يعيشها عالمنا المعاصر بكل تحدياته ومقتضياته ؟ • إننا بحاجة ماسة إلى تحديث العمل الخيري من خلال الرؤى الموضوعية الآتية :

أولا : تغير النظرة للعمل الخيري من اقتصاره على الدور الخدمي والخيري الضيق الذي يحكم الأداء حاليا، . إلى نظرة جديدة تقوم عل اعتبار العمل الخيري شريكا أساسيا في تنمية المجتمع شأنه في ذلك لا يقل عن شأن الدور الحكومي .

ثانيا : تغير الثقافة العامة لدى الجماهير التي لا تزال محدودة في تفاعلها وتفهمها للعمل الخيري وهى النظرة التي لا يتعلمها الفرد منذ الصغر ولا يتدرب عليها وإنما تقوم الآن من خلال الدعوات الإيمانية واستثارة مشاعر العطاء بشكل محدود لا يكفى لبناء ثقافة مجتمعية لنشر الوعي بأهمية العمل الخيري ودوره في حل مشاكل تنموية ومجتمعية قائمة لا تحلها إلا الجهود الخيرية التطوعية .

ثالثا: تيسير أساليب العمل الخيري وإفساح المجال أمام الراغبين في العمل الخيري بغير معوقات إدارية أو حكومية ، واعتبار العمل الخيري ساحة للمشاركة المجتمعية على نطاق واسع من كل أفراد المجتمع كل حسب إمكاناته وقدراته.. إذ أنه من السلبيات الشائعة أن ينظر بعض الشباب إلى العمل الخيري باعتباره لايناسب إلا كبار السن الذين يشعرون بالفراغ في حياتهم ، أو أنهم يحرصون على زيادة رصيدهم من فعل الخير وحسناته التى تنفعهم يوم لا ينفع مال ولا بنون ، هذه النظرات السلبية القائمة الآن لم يعد لها مبرر لاستمرارها في عصر تجتاحه تيارات فكرية عارمة فرضت نفسها علينا، بعد أن ازدحمت حياتنا بالمعلومات والثقافات والاتجاهات وأصبح العقل المعاصر مطالبا في خضم هذه التداخلات بأن يستوعبها ويفندها ويميز الخبيث من الطيب منها، قبل أن يغرق فيها، التحديث الذي ننادى به الآن في مجالات

العمل الخيري هو الانتقال به من نظرة ضيقة هى الإحسان إلى المحتاجين إلى التنمية الشاملة للمجتمع لتنمية قدرات المحتاجين إلى العمل والكسب لا مجرد الاقتصار على السؤال وتلقى الإعانات والقعود عن العمل .. العمل الخيري الآن يجب أن يكون تنمية للقدرات، وتوعية للمحتاجين عملا بالمثل الصينى الحكيم أن تعط سمكة لمحتاج جائع، فأنت تؤمن له طعام يومه، أما أن تعلمه الصيد فأنت تؤهله وتمكنه من توفير احتياجاته على الدوام .

العمل الخيري الآن مطالب بأن يكون عملا جماعيا تشارك فيه كل الجمعيات الخيرية بمشاريع تنموية، تقوم على تبرعات أهل العطاء وتخطيط أهل الفكر وتنفيذ المخلصين ودعوة المتطوعين .. إن ما يضمن نجاح مثل هذه المشاريع هو قيامها على المبادرات الإيمانية والإمكانات التي توفرها الزكاة أو الأوقاف وكلاهما ينبوعان لا يقومان على الجبر أو الروتين شأن القطاع الحكومى .. بل على الإيمان الصادق والأنفس السخية والأرواح المنطلقة إلى رضا الله لا تريد جزاءا ولا شكورا من أحد .. إنها مشاريع لا تنشد الربح المغالى فيه ، ولا تستهدف المصلحة الخاصة ، بل يقوم النجاح فيها على أساس العمل القائم على روح إيمانية صادقة.. فالعمل الخيري

بهذا المفهوم هو حق الله تعالى على العباد .

ثانيا: وضع آليات العمل الخيري في المجتمع :

فتح الإسلام مجالات رحبة لعمل الخير بدءا بالزكاة

التى هى ركن من أركان الإسلام، إلى جانب الصدقات التى نصت عليها آيات القرآن الكريم ، كذلك استحدث الإسلام بابا للصدقات الجارية التى يدوم ثوبها لفاعليها حتى يوم القيامة وهو ما يسمى بالوقف الخيرى بأنواعه المعروفة فى الإسلام حيث قدم للإنسانية نموذجا فريدا من العطاء الإنسانى .

لقد اقتبس الغرب هذا التوجه الإسلامي للعطاء والتكافل من خلال الوقف الإسلامي.. فجائزة نوبل وهى أرفع جائزة عالمية عرفتها الإنسانية قديما وحديثا تقوم على فكرة الوقف الإسلامى في اساسها، وكذلك أوجد الغرب بعض مؤسساته وجامعاته على أساس من فكرة الوقف ..

وفي جمهورية مصـر العربية أمثلة متعددة تدل على قيمة الوقف فى تحقيق أقصى صور العمل الخيرى ، فعلى سبيل المثال قامت جامعة القاهرة عند إنشائها ( باسم جامعة فؤاد الأول )على أساس وقف خيرى ، إذ أوقفت الأميرة فاطمة بنت الخديو إسماعيل باشا ، أرضا ومالا لإنشاء الجامعة ، ولا تزال لوحة رخامية باسمها مثبتة على واجهة كلية الآداب بجامعة القاهرة ، يذكرها بالخير كل من يطالع هذه اللوحة أو يدرس بهذه الكلية أو يتخرج فيها .

لذلك فإن تحديث آليات العمل الخيرى يمكن أن تتخذ أشكالاً مستحدثة، نقدم فى ما يلى أفكاراً مبتكرة لبعضها :

أولاً: إدخال مفهوم العمل الخيرى فى مناهج التعليم منذ المراحل الدراسية الأولى من خلال تفاعل تربوى مع الآيات القرآنية الكريمة التى يدرسها الطلاب ويحفظونها وكذلك الأحاديث الشريفة التى يتعلمونها والمطلوب أن تتحول هذه القيم الدينية إلى سلوكيات عملية من خلال اداء عملى للعمل الخيرى فى صوره المتعدده والمتدرجة حسب سنوات العمر والمراحل الدراسية.

ثانياً: تدريب وممارسة عملية للطلاب على العمل الخيرى الميداني بدءاً من الفصل ثم المدرسة والحى والمدينة والمجتمع..

ثالثاً: التفاعل مع الجمعيات الخيرية فى الحى، وطرح المشروعات الخيرية بالتعاون بين المدرسة والجمعيات الخيرية لإتاحة الفرصة للشباب للتطوع فى مجالات العمل الخيرى بهذه المشروعات وإكسابهم مهارات وخبرات متنوعة للعمل الخيرى ..

رابعاً: التنسيق بين نشاطات الجمعية الخيرية على مستوى الحى والمدينة والقطر والمجتمع العربى كله لتكامل الأدوات وتنسيق الجهود وتضافر القوى ..

خامساً: عقد مؤتمر سنوى على مستوى الوطن العربى تحت رعاية جامعة الدول العربية للإتحادات النوعية للجمعيات الخيرية بالوطن العربى لتبادل الخبرات والآراء حول طرق تنفيذ المشروعات الخيرية والتنسيق مع أجهزة التخطيط والتنمية وتنمية الموارد البشرية والموارد المالية التى تؤمن إحتياجات العمل الخيرى..

سادساً: دعوة الجامعات وأساتذة التربية خاصة لدراسة النشاط التطوعى من الناحية النفسية والإجتماعية والثقافية وتوجيه السلوكيات للعمل التطوعى وتنميته والتعرف على القدرات البشرية التطوعية وتنميتها ...

سابعاً: خلق مجالات التفانى فى العمل الخيرى بين الناشطين المتطوعين ورصد المكافآت السخية للجهود المتميزة..

ثامناً: خلق تصور معاصر لتطوير فكرة الوقف من خلال إصدار سندات محدودة القيمة (50 درهم – 100 درهم – 500 درهم – 1000 درهم ) على سبيل المثال لتشجيع الأفراد على الإكتتاب فى هذه السندات، ومن ثم إقامة المشاريع الخيرية من خلال تجميع أرصدة الوقف المتعددة القيمة والتى تتناسب مع قدرات الكثيرين من الراغبين فى إكتساب ثواب الصدقة الجارية .. وفى ذلك إحياء لمفهوم الوقف بمعناه المعاصر.

تاسعاً: دراسة تجربة مصر الجديدة ، حيث أقيمت بها مؤسسة للزكاة .. يرأسها المفتى وليست تابعة للحكومة حتى يمكن تجميع الزكوات إختيارياً وإقامة المشاريع الخيرية النافعة للمحتاجين وتوفير فرص العمل الشريفة لكل قادر على العمل.

ثالثاً: استراتيجية الخطاب الإعلامى المناسب:

من البديهيات القول بخطورة الإعلام ودوره الفاعل فى إحداث التحولات الهامة فى الرأى العام وفى توجيه السلوكيات والتأثير على مجريات الأحداث بالمجتمع.

لقد صار الإعلام جزءاً لا يتجزأ من صميم الحياة اليومية للفرد .. يتلقى المواطن منه المعلومات والأخبار ويستمع ويشاهد من خلاله لكل ما ينعش ذاكرته ووجدانه بعد عناء عمل يومى متصل.

من هنا كان من الصعب إغفال دور الإعلام فى التعامل مع قضية العمل الخيرى سواء فى تحديث أهدافه، أو التعامل مع مجرياته، أو التأثير فى العناصر البشرية التى يقع عليها مسئولية العمل الخيرى تخطيطاً وتنفيذاً ..

وإذا كانت نسبة الأمية فى وطننا العربى لا تزال عاليه ومقلقه، فإن الوسائل الإعلامية مثل الراديو والتلفزيون والملصقات المصورة، ربما تكون أكثر فاعلية فى تأثيرها على السلوكيات وتوجيه الرأى العام. • ماذا نريده من الإعلام ومن نشاط العلاقات العامة فى المجتمع؟ فى الواقع يمكن أن يكون للإعلام رسالة قومية ودور وطنى يتمثل فى عدة أمور منها على سبيل المثال:

أولاً: تغيير النظرة الحالية للعمل الخيرى على أنه مساعدة مباشرة او غير مباشرة للمحتاجين، وذوى الإحتياجات الخاصة من خلال تقديم المساعدات المالية او العينية لهذه الحالات، وتحويل انظار وإتجاهات الراى العام إلى المفهوم العصرى للعمل الخيرى باعتباره ركيزة وضرورة من ضرورات التنمية الإجتماعية، لا يستطيع المجتمع أن يتقدم بدون هذه الأنشطة الخيرية التى ينهض بها العاملون والمهتمون بالعمل الخيرى .. إن غرس هذا المفهوم الجديد الذى يلبى حاجة العصر وضرورات العولمة، سيؤتى ثمرته بشكل إيجابى فى حث جهود أفراد المجتمع كل بحسب قدراته على الإسهام الإيجابى فى مجال العمل الخيرى سواء بالتطوع وتحمل مسئولية العمل التنفيذى او بالعطاء حسب الطاقة والقدرة.

ثانياً: حفز همم الشباب خاصة، إلى الإقبال على العمل التطوعى وإكتساب مهاراته وتنمية القدرات الشبابية على البذل والجهد والعطاء السخى للآخرين من أفراد المجتمع المحتاجين لمثل هذه المساعدات، وبإزدياد عدد المتطوعين تتسع رقعة العمل الخيرى.

ثالثاً: التنويه الإعلامى وإبراز الجهود الناضجة والتجارب الخيرية الرشيدة فى كافة مجالاتها .. وذلك لتقديم المثل الطيب والقدوة الحسنة، وتقدير جهود العاملين المخلصين فى مجالات العمل الخيرى..

رابعاً: متابعة أنشطة العمل الخيرى بالنقد الموضوعى، الذى يلقى الضوء على الإيجابيات للإشادة بها وللمضى فيها، والإشارة إلى السلبيات بموضوعية ودراسة أسبابها وتشخيص حالاتها والبحث عن أفضل السبل لتلافيها والقضاء عليها، وفى ذلك تعزيز للإيجابيات، وتحجيم للسلبيات فى مجالات العمل الخيرى.

خامساً: عرض نماذج ناجحة وصور مشرفة للعمل الخيرى فى المجتمعات الأخرى مما يصلح تطبيقه كقدوه ونموذج ومثال يمكن الإحتذاء به، والإستفادة من المشروعات الخيرية الناجحة، ومحاولة تطبيقها فى ظل الظروف والإمكانات المتوافرة.

سادساً: إهتمام الإعلام بحمل رسالة التوعية العلمية، والتحلى بالرؤى الإجتماعية والنفسية الصحيحة، فى عرض برامج النشاط الإجتماعى الخيرى وإلقاء الضوء على معوقات العمل الخيرى، سواء من حيث اللوائح الإدارية أو المعوقات البيروقراطية أو التقاليد أو العادات المجتمعية .. أو المظهرية فى أداء العمل الخيرى والإهتمام بالشكل دون المضمون ...

سابعاً: أن تشمل أنشطة العلاقات العامة بالوزارات الحكومية والمصالح ومجالات العمل الأخرى برنامجاً إنسانياً يهتم بالعلاقات الإنسانية بين العاملين فى مجالات العمل وتقدير المشاعر والإهتمام بكافة المحتاجين، وإرساء مفهوم التضامن الإجتماعى والأخوة الإنسانية والزمالة بين أفراد المجتمع، وإضفاء روح الأخوة والعمل الخيرى بين العاملين، ومشاركتهم فى المناسبات المختلفة إثراءً للروح الإجتماعية الطيبة الواجبة.

ثامناً: أن تبتكر الأجهزة الإعلامية المتعددة، الوسائل المتنوعة التى يتميز بها العمل الإعلامى بإمكانياته التقنية العالية والمتطورة، ومن خلال أساليب تشويق وجذب ومتعه مع الإفادة، حتى يسعد المشاهد أو المستمع أو القارئ كل بحسب الوسيلة الإعلامية المناسبة له بثراء الفكر وإنعاش الوجدان من خلال تعميق مفاهيم العمل الخيرى الذى يعتبر رافداً أساسياً من روافد العمل الإجتماعى وعنصراً رئيسياً من عناصر المشاركة المجتمعية فى قضية التنمية.

تاسعاً: توعية الجماهير التوعية الدينية الصحيحة بدعوة الدين للعمل الخيرى على أوسع نطاق، بإعتباره عملاً إيمانياً فى المقام الأول، ينعكس أثره على الفرد والأسرة والمجتمع وتعبئة جهود أفراد المجتمع لمواجهة مشكلات مثل البيئة والجهل والفقر والمرض.

عاشراً: إطلاق طاقات الإبداع والإبتكار فى مجالات العمل الخيرى فمن إهتمام برعاية كبار السن، إلى إهتمام بعناصر مهمشة فى المجتمع كأطفال بلا مأوى او العنف الموجه ضد المرأة فى بعض الحالات أو رعاية وكفالة الأيتام او الإهتمام بمجالات الكوارث كالحرائق او الغرق أو الأوبئة او الكوارث الطبيعية.

حادى عشر: من المكن للاعلام إصدار نشرات إعلامية للتوعية باهمية التطوع لمشروع ما وضرورة التكاتف الإجتماعى للتعاون على إنجاز مشاريع عمل خيرية فى مناسبات متعددة.

ثانى عشر: من الأهمية بمكان إحساس العاملين بالإعلام، بالمسئولية تجاه التفاعل مع العمل الخيرى، بإعتبار أن الإعلام شريك وليس مجرد ناقل لأنشطة معينة من أنشطة العمل الخيرى ..

إن الإعلام لابد أن يشعر بأنه مشارك رئيسى فاعل فى تنامى مشاريع العمل الخيرى ، وزيادة عدد المتطوعين والناشطين فى مجالات العمل الخيرى فى كل المواقع بما يفجر طاقات الإبداع ، ويحرك جهود العمل الخيرى على إمتداداً رقعة المجتمع بلا حدود.

رابعاً: المرأة و العمل الخيرى - الواقع والمتطلبات:

فى ظل التطورات العالمية الداعية إلى إتاحة فرص العمل دون تمييز او تفرقة بين المواطنين بسبب الجنس او غيره، أصبحت المرأة وقد أتيحت لها فرص العمل تمثل جناحاً هاماً من جناحى التنمية الشعبية .. مشاركة الرجل فى تحمل المسئوليات والأعباء. إلا أنه فى مجال العمل الخيرى تبدو أهمية مشاركة المرأة فى هذا العمل بالذات، قد تفوق اهمية مشاركة الرجل فى بعض المجالات، وليست جميعها، هناك مجالات العمل الخيرى فى مجال الطفولة والأمومة، تتطلب بصفة أساسية قدرات المرأة بشكل أساسى مما يمنحها فرصة المشاركة الإجتماعية فى العمل الخيرى والتنموى على مستوى المجتمع كله ...

إلا أن جهود المراة لكى تصب فى هذه الناحية فهى بحاجة إلى التزويد بالتدريب الإجتماعى على العمل التطوعى .. وهى بحاجة أيضاً إلى ممارسة قدر من الخبرات الميدانية فى المجالات التى تتفق مع طبيعتها، وتجد أنها أقرب إلى نفسها وشخصيتها .. هذا التدريب والتعليم يستهدف إطلاق طاقات المرأة الكامنة وشحذ همتها على العطاء .. والتنافس مع الرجل فى مجال العمل الخيرى بإعتباره ضرورة إجتماعية لا غنى للمجتمع عن جهود المرأة فى هذه المجالات الحيوية التنموية ...

وضماناً لتطوير العمل الخيرى النسائى بشكل أفضل نوصى بإتباع ما يأتى:

أولاً: إتاحة قدر من التوعية للوالدين عن أهمية العمل الخيرى من منظور ديني الأمر الذى يرسخ القناعة بأهمية وجدوى المشاركة الإيجابية من جانب كل أفراد الأسرة والأبوين والبنات والأبناء.

ثانياً: تشجيع الفتيات على إكتساب مهارات التطوع منذ الصغر من خلال التوعية المنهجية بالمدارس والأندية والتجمعات والندوات والوسائل الإعلامية المتعددة. مما يمنح الفتاه الثقة بالنفس والإعتزاز بالقدرة على العطاء وخدمة الآخرين.

ثالثاً: عمل المسابقات ذات الجوائز لحث الفتيات على التنافس فى مجالات العمل الخيرى المناسبة لهن، وتشجيعهن على التفوق والمثابرة بشتى طرق التشجيع الأدبى والمادى، وتكريم المتفوقات منهن حثاً لهن وتشجيعاً لغيرهن.

رابعاً: العمل على التواصل بين الفتيات والأمهات لإكتساب الخبرات وضمان التفاعل ولتأكيد معنى الإستمرارية والمشاركة بين الأجيال.

خامساً: إتاحة الفرصة للفتيات وللمرأة عموماً للممشاركة فى عضوية ورئاسة الجمعيات الخيرية لتكون هذه المشاركة تدريباً على ممارسة الديموقراطية ودافعاً لغيرهن وتشجيعاً لهن على مزيد من الإنتماء والعطاء السخى للعمل التطوعى. سادساً: تشجيع المهارات النسائية فى المجالات ذات الصلة بطبيعة المرأة مثل التطوع فى الإسعاف للمرضى وزيارة المستشفيات للتخفيف عن المرضى وغير ذلك من المجالات التى يمكن للمرأة النجاح فى أدائها لمناسبتها لطبيعتها.

سابعاً: تبادل الخبرات بين المتطوعات على مستوى الوطن العربى لزيادة التفاعل بين أنشطة المرأة على مستوى الوطن العربى كله وإكتساب المهارات والتزود بالتجارب الناجحة والتعرف على حلول للمشكلات البيئية والمجتمعية التى قد تواجهها بعض المتطوعات.

خامساً: دور العمل الخيرى فى حشد طاقات التكافل والعطاء:

لقد سبق القول فى مطلع هذا البحث أننا الآن نمر بمرحلة دقيقة يشهد فيها العالم تيارات فكرية متضاربة، وصراعات ملتهبة، ومحاولات العولمة طمس الهويات الثقافية وفرض هيمنة ثقافة معينة ...

لذلك فإن العمل الخيرى لإرتباطه الوثيق بالدين الإسلامى، قد واجه فى السنوات الأخيرة من بعض القوى العالمية بعض القيود والضغوط غير المبررة .. لكن قافلة الخير تنطلق إلى غايتها الشريفة المأمولة لتحقيق مقاصدها الإنسانية ،وذلك بفضل جهود عظيمة لقيادات وزعامات إسلامية واعية تدرك أهمية العمل الخيرى فى بناء الأمة الإسلامية ..

وهنا لا نستطيع أن ننسى رواد العمل الخيرى العظيم وقادته ، ولذلك فإن علينا أن نشيد بكل تقدير واعتزاز بدولة الإمارات العربية المتحدة ، وقياداتها المؤمنة ، ومؤسساتها الخيرية ذات المكانة السامقة فى أعمال الخير التى يستفيد منها المسلمون سواء داخل الدولة و خارجها على امتداد ربوع العالم الإسلامى .. فكلها جهود عظيمة تذكر بالتقدير والعرفان ، إذ أنها فى الحقيقة تضرب الأمثال على سماحة النفس ، وعلو الهمة ، وبعد النظر ، ورقة المشاعر الإنسانية نحو عموم المسلمين وعموم الناس ، والحرص على الانطلاق بتجارب العمل الخيرى إلى آفاق رحبة ومجالات متعددة كالتعليم والصحة ورعاية الأيتام ودور العجزة وكفالة الأرامل وغير ذلك من مشاريع الخير ....

من خلال التجارب الإماراتية الناجحة فإننى اتقدم بعدد من المقترحات التى أرى – وأرجو أن أكون مصيباً - انها تحقق دفعة أكبر لدور العمل الخيرى فى حشد طاقات التكافل الإجتماعى والعطاء الإنسانى ليكون العمل الخيرى ريادة وإثراء، للريادة والنماء، من هذه المقترحات ما يلى:

أولاً: تأصيل العمل الخيرى فى المجتمع الإسلامى بإعتباره عنصراً رئيسياً من عنا صر الشخصية الإسلامية للأمة وركيزة من أهم ركائزها الحضارية، التى يجب التمسك والإعتزاز بها وعدم التفريط فيها فى عصر العولمة الذى يحاول فرض هيمنته وسطوته على ثوابت الأمم وتراثها الحضارى.

ثانياً: تنشيط باب الإجتهاد فى الفقه الإسلامى من خلال فقه المستجدات للبحث فى قضايا الزكاه والوقف الراهنة، وفى ضوء الظروف المعاصرة والتوفيق بين ضرورة الصرف من الزكاه على الفور، والحاجة إلى تجميعها، والتخطيط للصرف منها على أوجه الخير، ومشاريع التنمية فى مراحل لاحقة .. وأهمية دراسة الفقهاء لمثل هذه الحالات والتوصل إلى حل وتأصيل شرعى لها.

ثالثاً: دعوة الفقهاء إلى النظر فى أمر الأوقاف العامة والخاصة التى يباح إستثمارها عملاً على زيادة النفع منها فى رأى بعض العلماء، والأمر يتطلب إجتهاداً جماعياً للوصول إلى آراء رشيدة وسديدة منعاً للخلافات وتجنباً لبلبلة الرأى العام فى هذه المسائل.

رابعاً: التنويه بالسيدات الفاضلات الكريمات المتبرعات والمتطوعات بصورة كريمة فى تاريخنا الإسلامى مثل بعض زوجات الرسول (عليه الصلاة والسلام) وزبيدة زوجة هارون الرشيد وغيرهن كثيرات، وذلك حتى نشجع الكثير من السيدات فى عصرنا على الإقتداء بهن فى العطاء والسخاء والبذل والعمل الخيرى.

خامساً: تكوين إتحاد عربى أو إتحاد إسلامى للجمعيات الخيرية على مستوى العالم الإسلامى كله، لتنسيق الجهود وحسن الإستفادة من الإمكانات المتاحة فى دعم ورعاية، وإعانة المحتاجين على مستوى العالم الإسلامى فى مناطق الكوارث او الأقليات المسلمة المحتاجة .. وذلك لتحقيق أفضل النتائج وتلافياً للإزدواجية أو تكراراً للجهود وتبديداً وإهداراً للطاقات.

سادساً: التعاون مع المنظمات الدولية العاملة فى مجال العمل الخيرى (اليونيسف – الفاو – وكالة الإعاثة – وكالة شئون اللاجئين وغيرها ..) للتعرف على جهودها فى مجال الإغاثة، والتنسيق معها والإستفادة من خبراتها الميدانية المكتسبة فى مجال العمل الخيرى على مستوى العالم.

سابعاً: التعاون الإعلامى فى مجال الدعوة لنظرة جديدة للعمل الخيرى، والبعد عن النظرة التقليدية بإعتبار العمل الخيرى قاصرا على سد حاجات الإستجداء الفردية، وتحسين النظرة على إعتبار العمل الخيرى الذى أصبح عنصراً إيجابياً ومشاركاً رئيسياً فى عملية التنمية المجتمعية الشاملة لمواجهة مشكلات البيئة والفقر والجهل والمرض.

ثامناً: تحديد العلاقة بين حرية العمل الخيرى والضوابط الحكومية بحيث لا تكون اللوائح الحكومية عائقاً يحد من إنطلاق العمل الخيرى ويؤخر نشاطاته عن بلوغ أهدافها الإنسانية النبيلة.

تاسعاً: مد مظلة العمل الخيرى الإسلامى إلى المسلمين فى البلاد غير الإسلامية فى العالم على أن يتناسب العمل الخيرى فى هذه المناطق مع الإحتياجات الفعلية لهؤلاء المسلمين مما يحفظ عليهم دينهم، ويوفر لهم المدارس الإسلامية التى تصون لهم هويتهم وتراثهم الإسلامى الحضارى فى هذه البلاد.

عاشراً: دعوة اجهزة الإعلام العربية والإسلامية لنشرها أخبار العمل الخيرى ومجالاته وإحتياجاته على مستوى الأمة الإسلامية كلها لتحقيق الترابط والتفاعل والإستفادة من الخبرات الناجحة على مستوى العالم الإسلامى.

حادى عشر: الإهتمام بقطاعى الشباب والمرأة فى غرس روح التطوع والعمل الخيرى بإعتبارهما قطاعين هامين يجب إرتكاز العمل الخيرى عليهما فى سائر أقطار الأمة الإسلامية، وبناء قدرات المتطوعين عن طريق تنمية مهاراتهم وقدراتهم من خلال برامج تدريبية متخصصة.

ثانى عشر: الأخذ بنظام التدريب المستمر للعاملين فى مجال العمل الخيرى لترقية مهارتهم وتنمية قدراتهم وضبط سلوكياتهم وتحسين أدائهم.

ثالث عشر: إنشاء مركز معلومات على مستوى العالم الإسلامى تسجل فيه جميع البيانات الخاصة بمؤسسات وجمعيات العمل الخيرى، لتبادل المعلومات والإستفادة من الخبرات والتنسيق بين الإمكانات ، وذلك حرصا على أن تتسم هذه الجمعيات والمؤسسات الخيرية بالشفافية فى مواردها ومصارفها وإعلان ذلك للكافة حتى لا يحدث فساد تحت عباءة العمل الخيرى والغطاء الدينى .

رابع عشر: إعتبار العمل الخيرى فريضة حتمية وأمراً دينياً واجباً يتجاوز الإحسان والمروءة وينطلق من أصول الإسلام الحنيف...